قاعدة 70/30 في العمل الخيري: كيف نصنع توازنًا يحمي الإنسان ويبني مستقبله؟
يواجه العمل الخيري تحديًا متكررًا لا يمكن تجاهله: كيف تستجيب الجمعية للحالات الطارئة التي تحتاج إلى تدخل عاجل، وفي الوقت نفسه تمنع تحوّل خدماتها إلى مساعدات مؤقتة تتكرر عامًا بعد عام دون أن تغيّر واقع المستفيد؟ هذا السؤال ليس إداريًا فقط، بل يرتبط بجوهر الرسالة الإنسانية للجمعيات، وبقدرتها على إحداث أثر حقيقي ومستدام.
من هنا تظهر أهمية قاعدة 70/30 في العمل الخيري بوصفها إطارًا عمليًا يساعد الجمعيات على توزيع مواردها وبرامجها بصورة متوازنة. تقوم الفكرة على توجيه 70% من الموارد والجهود إلى التنمية والتمكين، مثل التعليم، والتدريب، والتأهيل المهني، ودعم المشاريع الصغيرة، وبناء قدرات الأسر والأفراد. أما 30% فتُخصص للمساعدات الطارئة، مثل الغذاء، والعلاج، والسكن، وسداد الاحتياجات العاجلة التي لا تحتمل الانتظار.
لا تعني هذه القاعدة أن تتوقف الجمعية عن الإغاثة، ولا أن تتعامل مع النسب باعتبارها قانونًا جامدًا يصلح لكل الظروف. المقصود هو تحويل طريقة التفكير من الاستجابة للأزمة فقط إلى معالجة أسبابها، ومن سؤال: ماذا يحتاج المستفيد اليوم؟ إلى سؤال أعمق: ما الذي يحتاجه حتى لا يواجه الأزمة نفسها غدًا؟
ما المقصود بقاعدة 70/30 في العمل الخيري؟
قاعدة 70/30 هي نموذج تخطيطي يوازن بين مسارين متكاملين داخل الجمعية. المسار الأول هو التنمية، ويستحوذ على النسبة الأكبر لأنه يهدف إلى بناء قدرة المستفيد على الاعتماد على نفسه. والمسار الثاني هو الإغاثة أو المساعدة الطارئة، ويضمن عدم ترك الإنسان وحده أمام احتياج عاجل قد يهدد صحته أو استقراره أو سلامته.
تشمل نسبة التنمية برامج التدريب المهني، والتعليم، والتوظيف، والإرشاد المالي، وتمويل المشاريع الصغيرة، ودعم الأسر المنتجة، وبناء المهارات، وربط المستفيدين بفرص السوق. بينما تشمل نسبة الطوارئ المساعدات الغذائية، والعلاج العاجل، والإيجار، والسكن المؤقت، وسداد الفواتير الضرورية، والتدخل في الكوارث أو الأزمات المفاجئة.
لماذا تحتاج الجمعيات إلى هذا التوازن؟
قد تحقق الجمعية إنجازًا واضحًا عندما توزع آلاف السلال الغذائية أو تسدد مئات الفواتير، لكن هذه الأرقام لا تكفي وحدها لقياس نجاحها. السؤال الحقيقي هو: كم أسرة خرجت من دائرة الاحتياج؟ وكم مستفيدًا انتقل من الاعتماد على المساعدة إلى امتلاك دخل أو مهارة أو فرصة عمل؟
عندما تتركز معظم الموارد في الإغاثة، قد تنشأ علاقة طويلة الأمد بين الجمعية والمستفيد تقوم على تكرار الطلب وتكرار الصرف. ومع مرور الوقت ترتفع التكاليف، وتزداد أعداد الحالات، بينما يبقى أثر البرامج محدودًا. أما عندما تُوجَّه الموارد كلها تقريبًا إلى التنمية دون توفير شبكة أمان للطوارئ، فقد تُهمَل حالات لا تستطيع الانتظار حتى تكتمل برامج التأهيل.
الفرق بين مساعدة الطوارئ والتنمية
لفهم قاعدة 70/30 بصورة صحيحة، يجب التمييز بين نوعي التدخل. مساعدة الطوارئ تستجيب لاحتياج فوري، بينما التنمية تستهدف تغييرًا طويل المدى. المساعدة الطارئة قد تكون ضرورية لإنقاذ موقف اليوم، لكن التنمية تعمل على تقليل احتمالية عودة الموقف نفسه.
| العنصر | مساعدة الطوارئ | التنمية والتمكين |
|---|---|---|
| الهدف | حماية المستفيد من خطر أو احتياج عاجل | بناء قدرته على الاستقلال |
| المدة | قصيرة ومباشرة | متوسطة أو طويلة |
| أمثلة | غذاء، علاج، إيجار، سكن مؤقت | تدريب، تعليم، توظيف، مشروع صغير |
| معيار النجاح | تلبية الاحتياج في الوقت المناسب | تحسن الدخل والاستقرار وتقليل الاعتماد |
| نوع الأثر | فوري | مستدام وتراكمي |
| المتابعة | محدودة غالبًا | مستمرة ومبنية على مؤشرات |
هذا الفرق لا يعني أن أحد النوعين أفضل دائمًا من الآخر. قد تكون سلة غذائية أهم من دورة تدريبية لأسرة لا تملك طعام يومها، وقد يكون التدريب أهم من استمرار السلة لأسرة قادرة على العمل إذا حصلت على المهارة المناسبة. القرار الصحيح يعتمد على دراسة الحالة، وليس على الافتراضات العامة.
10 خطوات لتطبيق قاعدة 70/30 داخل الجمعية
تبدأ الموازنة الصحيحة بفهم طبيعة الاحتياج داخل المجتمع المستهدف. تحتاج الجمعية إلى بيانات توضّح عدد الحالات الطارئة، وأنواع الاحتياجات، وأسباب تكرار الطلب، ومستويات الدخل، والمهارات المتاحة، وفرص التوظيف، والفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
من دون هذه البيانات قد تتحول النسبة إلى قرار نظري لا يعكس الواقع. فقد تحتاج بعض المناطق خلال أزمة مؤقتة إلى رفع حصة الطوارئ، بينما تسمح مناطق أخرى بتوجيه نسبة أكبر إلى التمكين. لذلك يجب أن تكون قاعدة 70/30 نقطة انطلاق قابلة للتكييف، لا قالبًا جامدًا.
-
تصنيف المستفيدين حسب مستوى الاحتياج
ليس جميع المستفيدين في المرحلة نفسها. بعض الحالات تحتاج إلى إنقاذ عاجل، وبعضها يحتاج إلى تأهيل، وبعضها جاهز للتوظيف أو بدء مشروع. يفيد التصنيف في تحديد نوع التدخل المناسب لكل حالة، بدل تقديم الخدمة نفسها للجميع.
يمكن تقسيم الحالات إلى فئات مثل: طوارئ حرجة، احتياج مؤقت، قابلية للتمكين، جاهزية للتوظيف، أو حاجة إلى متابعة طويلة. وعندها تستطيع الجمعية ربط كل فئة بمسار واضح وميزانية وبرنامج ومؤشرات أداء.

-
بناء خطة انتقال لكل مستفيد
المساعدة الطارئة لا ينبغي أن تكون إجراءً منفصلًا بلا خطوة لاحقة. بعد تلبية الاحتياج العاجل، يجب أن تسأل الجمعية: ما سبب الأزمة؟ وهل يمكن معالجة هذا السبب؟ وما التدخل الذي يساعد المستفيد على الانتقال إلى الاستقرار؟
قد تبدأ الخطة بسداد إيجار متأخر، ثم تشمل تدريب أحد أفراد الأسرة، وربطه بفرصة عمل، ومتابعة استقرار الدخل. وقد تبدأ بعلاج صحي، ثم تتضمن تأهيلًا وظيفيًا يناسب الحالة. المهم أن تتصل المساعدة بمسار خروج واضح من الاحتياج.
-
تخصيص ميزانيات مستقلة للمسارين
يساعد الفصل المالي بين برامج التنمية ومساعدات الطوارئ على منع استهلاك الموارد التنموية في الصرف اليومي المتكرر. يمكن للجمعية تحديد ميزانية سنوية لكل مسار، ثم مراجعة الإنفاق شهريًا أو ربع سنويًا.
كما ينبغي أن ترتبط الميزانيات بمؤشرات، لا بالمبالغ فقط. فميزانية الطوارئ تُقاس بسرعة الاستجابة ووصول الخدمة إلى المستحق، بينما تُقاس ميزانية التنمية بعدد المستفيدين الذين أكملوا التدريب، أو حصلوا على عمل، أو زاد دخلهم، أو حافظوا على استقرارهم.
-
تصميم برامج تنموية مرتبطة بالسوق
لا يكفي تقديم دورات عامة لا تؤدي إلى فرصة حقيقية. البرنامج التنموي الناجح يبدأ من احتياج سوق العمل المحلي، ثم يختار المهارات المطلوبة، ويحدد شركاء التدريب والتوظيف، ويتابع نتائج المستفيدين بعد انتهاء البرنامج.
-
ربط المساعدة الطارئة بالتقييم والمتابعة
قد تتكرر المساعدة لأن الجمعية لا تملك سجلًا متكاملًا يوضح ما حصل عليه المستفيد سابقًا، وسبب الطلب، ونتيجة التدخل. لذلك يجب تسجيل كل مساعدة وربطها بملف الحالة وخطة التمكين.
تساعد المتابعة على اكتشاف الأنماط. فإذا طلبت الأسرة مساعدة الإيجار عدة مرات، فالمشكلة قد لا تكون في الإيجار نفسه، بل في ضعف الدخل أو البطالة أو سوء إدارة المصروفات. هنا تنتقل الجمعية من الصرف المتكرر إلى التدخل المناسب.
-
تحديد مؤشرات واضحة لقياس الأثر
نجاح قاعدة 70/30 لا يُقاس بمجرد الالتزام الحسابي بالنسبة، بل بما تحقق من نتائج. يمكن للجمعية استخدام مؤشرات مثل انخفاض تكرار طلب المساعدة، وزيادة دخل الأسرة، ونسبة المستفيدين الذين حصلوا على وظائف، واستمرار المشاريع الصغيرة، وتحسن الاستقرار السكني، وارتفاع القدرة على الادخار.

-
إشراك المستفيد في وضع الخطة
التمكين لا ينجح عندما تُفرض الحلول على المستفيد من دون فهم ظروفه وقدراته ورغباته. يجب أن يكون المستفيد شريكًا في تحديد الهدف والخطوات والالتزامات. فاختيار برنامج لا يناسب مهاراته أو ظروف أسرته قد يؤدي إلى انسحابه أو فشل التدخل.
يمكن للباحث الاجتماعي أن يناقش مع المستفيد الخيارات المتاحة، ويحدد معه هدفًا واقعيًا، مثل الحصول على وظيفة خلال ستة أشهر، أو إكمال تدريب مهني، أو بدء نشاط منزلي، ثم تُراجع الخطة بصورة دورية.
-
بناء شراكات تقلل تكلفة التمكين
لا تستطيع الجمعية تنفيذ كل شيء بمفردها. قد تحتاج إلى جهات تدريب، وشركات توظيف، ومستشفيات، ومؤسسات تمويل، وخبراء، ومتطوعين، وجهات مانحة. تساعد الشراكات على توسيع نطاق البرامج وتحسين الجودة وتقليل تكلفة الخدمة.
كما تمنح الشراكات الجهات المانحة ثقة أكبر، لأنها تظهر أن المشروع مبني على أدوار واضحة، وأن الجمعية لا تطلب التمويل لتكرار خدمة مؤقتة فقط، بل لبناء مسار متكامل يقود إلى نتيجة قابلة للقياس.
-
مراجعة النسبة وفق الظروف والنتائج
قاعدة 70/30 ليست رقمًا مقدسًا. قد تتغير النسبة مؤقتًا في موسم معين أو أثناء كارثة أو أزمة اقتصادية أو صحية. وقد تحتاج جمعية متخصصة في الإغاثة إلى نسبة مختلفة عن جمعية متخصصة في التدريب والتوظيف.
المهم أن يكون التغيير مبنيًا على بيانات وقرار إداري موثق، وأن تعود الجمعية إلى هدفها الاستراتيجي بعد انتهاء الظرف الاستثنائي. كما يجب مراجعة نتائج البرامج سنويًا للتأكد من أن الإنفاق التنموي يحقق أثرًا حقيقيًا، وليس مجرد أنشطة تحمل اسم التمكين.

كيف تساعد قاعدة 70/30 في رفع فرص تمويل المشاريع؟
تهتم الجهات المانحة بالمشاريع التي تعالج مشكلة واضحة، وتقدم حلًا منطقيًا، وتحدد نتائج قابلة للقياس. وعندما تعرض الجمعية مشروعًا يجمع بين الاستجابة العاجلة والتمكين، فإنها تقدم رؤية أكثر نضجًا من مشروع يكتفي بتوزيع المساعدات.
كما تساعد القاعدة على بناء ميزانية مقنعة، لأنها تبيّن العلاقة بين الأنشطة والمخرجات والنتائج. ويمكن للجمعية أن تشرح كيف تحمي نسبة الطوارئ المستفيد خلال المرحلة الحرجة، وكيف تنقله نسبة التنمية إلى الاستقرار، وما المؤشرات التي ستثبت نجاح الانتقال.
دور التقنية في تطبيق قاعدة 70/30
يصبح تطبيق هذا النموذج أكثر دقة عندما تمتلك الجمعية نظامًا رقميًا يربط بيانات المستفيدين بالمساعدات والبرامج والميزانيات والنتائج. فالتقنية تساعد على معرفة عدد مرات حصول المستفيد على الدعم، وتحديد تكلفة الحالة، ومتابعة خطة التمكين، وقياس التقدم، واستخراج التقارير.
أخطاء شائعة عند تطبيق قاعدة 70/30
أول خطأ هو التعامل مع النسبة بصورة شكلية، بحيث تصنف أنشطة عادية على أنها تمكين من أجل تحقيق الرقم. التدريب الذي لا يرتبط باحتياج أو فرصة أو نتيجة ليس تنمية حقيقية. والخطأ الثاني هو تقليل مساعدات الطوارئ دون توفير بدائل آمنة، ما قد يضر بالحالات الأكثر هشاشة.
أما الخطأ الثالث فهو تطبيق البرنامج نفسه على جميع المستفيدين، رغم اختلاف أعمارهم ومهاراتهم وصحتهم ومسؤولياتهم الأسرية. والخطأ الرابع هو قياس عدد الأنشطة بدل قياس التغيير. عدد الدورات لا يساوي عدد المستفيدين الذين تحسن دخلهم، وعدد المشاريع الصغيرة لا يساوي عدد المشاريع التي استمرت وحققت عائدًا.
قاعدة 70/30 وقياس الأثر الاجتماعي
تمنح القاعدة الجمعية فرصة للانتقال من قياس حجم النشاط إلى قياس أثره. فبدل الاكتفاء بعدد المستفيدين أو قيمة المساعدات، يمكن قياس التغير الذي حدث في حياة الأسرة. هل ارتفع دخلها؟ هل انخفضت ديونها؟ هل استقرت في السكن؟ هل حصل أحد أفرادها على وظيفة؟ هل توقفت عن طلب النوع نفسه من المساعدة؟
في بودكاست تكنولوجيا الأعمال، نناقش القضايا التي تساعد الجمعيات والمؤسسات على تطوير مشاريعها، وتحسين إدارتها، والاستفادة من التقنية والبيانات في بناء أثر مستدام. وتأتي قاعدة 70/30 ضمن النماذج التي تعيد تعريف النجاح في العمل الخيري، من مجرد تقديم الخدمة إلى إحداث تغيير يمكن متابعته وقياسه.
هل تصلح قاعدة 70/30 لكل الجمعيات؟
تصلح القاعدة بوصفها إطارًا للتفكير، لكنها لا تُطبق بالطريقة نفسها في جميع الجهات. الجمعيات الإغاثية قد تحتاج إلى حصة أعلى للطوارئ، بينما قد توجه جمعيات التدريب أو التوظيف معظم مواردها إلى التنمية. كما تختلف النسب بحسب الموسم، والمنطقة، والفئة المستهدفة، والأزمات المحيطة.
لذلك يجب على مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية اعتماد النسبة المناسبة بناءً على استراتيجية الجمعية وتحليل الاحتياج والبيانات التاريخية. ويمكن البدء بنسبة 70/30، ثم تعديلها وفق النتائج، بشرط ألا تضيع الغاية الأساسية: حماية المستفيد اليوم، وبناء قدرته على الاستقلال غدًا.
الخاتمة
قاعدة 70/30 في العمل الخيري ليست مجرد معادلة مالية، بل فلسفة لإدارة الأثر. فهي توازن بين الواجب الإنساني العاجل والمسؤولية التنموية طويلة المدى. المساعدة الطارئة تنقذ الموقف اليوم، لكن التنمية تمنع تكرار الأزمة غدًا، والجمعية الناجحة هي التي تجمع بين الاثنين في مسار واحد واضح.
عندما تدرس الجمعية الحالة، وتصنف الاحتياج، وتبني خطة انتقال، وتخصص الميزانيات، وتصمم برامج مرتبطة بالسوق، وتقيس النتائج، فإنها تتحول من مقدم للمساعدة إلى شريك في التغيير. وهنا يصبح النجاح الحقيقي هو انتقال المستفيد من الاحتياج إلى الاستقرار، ومن تلقي الدعم إلى القدرة على الإنتاج والمشاركة ومساعدة غيره.
لمعرفة المزيد عن تطوير المشاريع ورفع فرص قبولها وتمويلها، شاهد حلقة الجمعيات المانحة: