Skip to main content Scroll Top

القطاع غير الربحي: من المساعدات إلى قوة اقتصادية بـ5%

element (1)
القطاع غير الربحي

القطاع غير الربحي: من المساعدات إلى قوة اقتصادية بـ5%

هناك رقم قد يبدو صغيرًا عند قراءته للمرة الأولى، لكنه في الحقيقة يمكن أن يعيد تشكيل مستقبل القطاع غير الربحي في السعودية بالكامل: 5%.

هذه هي النسبة التي تستهدف رؤية السعودية 2030 وصول مساهمة القطاع غير الربحي إليها من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.

لكن الوصول إلى هذا الرقم لا يمكن أن يتحقق بمجرد زيادة عدد الجمعيات أو إطلاق مزيد من المبادرات الموسمية. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ لأنها تتطلب تغييرًا في طريقة النظر إلى القطاع نفسه، من قطاع يعتمد بصورة أساسية على التبرعات والدعم إلى منظومة تنموية واقتصادية قادرة على الاستثمار، وابتكار مصادر دخل مستدامة، وقياس نتائجها، وإدارة مواردها وفق معايير واضحة من الحوكمة والكفاءة.

وهذا تحديدًا ما تطرحه د. نوف بنت عبدالعزيز الغامدي في حلقة أثر مستدام، التي تناقش مستقبل القطاع غير الربحي والتحول المطلوب لبناء نموذج أكثر قدرة على صناعة أثر اقتصادي واجتماعي طويل المدى.

لماذا يمثل رقم 5% نقطة تحول للقطاع غير الربحي؟

عندما نتحدث عن مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي، فنحن لا نتحدث عن حجم التبرعات التي تستقبلها المنظمات فقط، بل عن القيمة الاقتصادية الناتجة عن أنشطتها، وما توفره من وظائف، وما تنفذه من مشاريع وبرامج، وما تبنيه من قدرات بشرية، وما تخلقه من فرص وشراكات وحلول تنموية.

ولهذا فإن مستهدف رفع مساهمة القطاع إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030 يحمل معنى أكبر من مجرد مؤشر رقمي. إنه يشير إلى انتقال القطاع غير الربحي من موقع المتلقي للموارد إلى موقع الشريك في التنمية وصناعة القيمة.

ويؤكد النمو الذي يشهده القطاع أن هذا التحول أصبح بالفعل جزءًا من المشهد الاقتصادي والاجتماعي في المملكة؛ فقد أعلن المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في يونيو 2026 أن إجمالي القوى العاملة في القطاع تجاوز 141 ألف موظف، بما يعكس توسع دوره في خلق فرص العمل إلى جانب دوره المجتمعي والتنموي.

النموذج التقليدي لم يعد كافيًا

لسنوات طويلة ارتبط تصور العمل غير الربحي بتقديم المساعدات المباشرة للفئات المستفيدة. وهذا الدور سيظل مهمًا، لكنه وحده لا يكفي لبناء قطاع قادر على الاستمرار والتوسع.

المنظمة التي تعتمد على التبرعات دون وجود نموذج واضح للاستدامة المالية قد تنجح في تنفيذ مشروع اليوم، لكنها قد تواجه صعوبة في ضمان استمراره غدًا.

أما المنظمة التنموية الحديثة، فهي تبدأ بالسؤال بطريقة مختلفة: ما المشكلة التي نحاول حلها؟ ما التغيير الذي نريد تحقيقه؟ كيف نقيس هذا التغيير؟ وما النموذج المالي والتشغيلي الذي يضمن استمرار الأثر؟

وهنا يتحول التفكير من تمويل النشاط إلى تمويل الأثر والاستدامة.

النموذج التقليدي النموذج التنموي المستدام
التركيز على حجم التبرعات تنويع مصادر الدخل
قياس عدد الأنشطة قياس النتائج والأثر
مبادرات قصيرة المدى برامج واستثمارات طويلة المدى
الاعتماد على الدعم الخارجي بناء استدامة مالية
قرارات مبنية على الخبرة فقط قرارات قائمة على البيانات
دور اجتماعي محدود دور اقتصادي وتنموي متكامل
تقارير تشغيلية حوكمة ومؤشرات أداء وقياس أثر

أولًا: الاستدامة المالية بدل الاعتماد الكامل على التبرعات

واحدة من أهم التحولات المطلوبة في مستقبل القطاع غير الربحي هي بناء نماذج مالية أكثر استدامة.

الاستدامة لا تعني التخلي عن التبرعات، وإنما تعني ألا تصبح التبرعات هي المصدر الوحيد الذي يتوقف عليه مستقبل المنظمة.

يمكن للمنظمات تطوير منتجات وخدمات ذات عائد، وبناء أوقاف واستثمارات اجتماعية، وإقامة شراكات مع القطاعين الحكومي والخاص، والمنافسة على مشاريع وعقود مناسبة لطبيعة نشاطها، بالإضافة إلى تطوير نماذج للمؤسسات الاجتماعية التي تجمع بين الأثر والاستدامة الاقتصادية.

ويشير المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي إلى وجود منتجات تمويلية تهدف إلى تمكين منظمات القطاع من الدخول في المنافسات الحكومية وزيادة إيراداتها، بما يساهم في رفع دور القطاع الاقتصادي.

وهذا التوجه يغيّر السؤال من: من سيمول برنامجنا القادم؟ إلى: كيف نبني نموذجًا قادرًا على تمويل رسالتنا بصورة مستدامة؟

القطاع غير الربحي

ثانيًا: الاستثمار ليس نقيضًا للعمل غير الربحي

من المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة صياغة الاعتقاد بأن المنظمة غير الربحية يجب ألا تفكر بعقلية اقتصادية.

عدم توزيع الأرباح على الملاك لا يعني عدم تحقيق إيرادات، ولا يعني غياب الاستثمار أو الكفاءة المالية. بالعكس، كلما نجحت المنظمة في إدارة مواردها وتنميتها، أصبحت أكثر قدرة على خدمة المستفيدين وتحقيق رسالتها.

لذلك يمكن للاستثمار أن يكون أداة لتحقيق الأثر، بشرط وجود إطار واضح يحمي رسالة المنظمة ويضمن توجيه العوائد لدعم أهدافها التنموية.

الفرق هنا مهم: الهدف ليس تعظيم الربح لصالح مساهمين، وإنما تعظيم الاستدامة والأثر لصالح المجتمع.

ثالثًا: الحوكمة أساس الثقة والاستدامة

كلما زاد حجم القطاع وموارده وشراكاته، ازدادت الحاجة إلى مستوى أعلى من الحوكمة.

الحوكمة ليست أوراقًا وسياسات تحفظ داخل الملفات؛ بل منظومة تحدد الصلاحيات، وآليات اتخاذ القرار، وإدارة المخاطر، والشفافية المالية، وتضارب المصالح، ومساءلة الإدارة، وقياس الأداء.

ويُعد تعزيز حوكمة القطاع ومتابعة الأداء المالي والإداري والفني أحد الأدوار الأساسية للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.

والمنظمة التي تمتلك حوكمة قوية تكون أكثر قدرة على بناء الثقة مع الجهات المانحة، والمستثمرين الاجتماعيين، والجهات الحكومية، والشركات، بل ومع المستفيد نفسه.

رابعًا: قياس الأثر بدل الاكتفاء بعدّ الأنشطة

قد تقول منظمة إنها نفذت 100 دورة تدريبية خلال عام. الرقم يبدو إيجابيًا، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: ماذا تغير بسبب هذه الدورات؟

كم شخصًا حصل على وظيفة؟

كم أسرة تحسن دخلها؟

كم مستفيدًا أصبح أكثر استقلالًا؟

وما القيمة الاقتصادية أو الاجتماعية التي تحققت مقابل كل ريال تم إنفاقه؟

هنا تظهر أهمية قياس الأثر الاجتماعي.

المنظمات المتقدمة لا تكتفي بمؤشرات المدخلات والمخرجات، وإنما تنتقل إلى قياس النتائج الفعلية والتغير طويل المدى.

وعندما يصبح الأثر قابلًا للقياس، تستطيع المنظمة تحسين برامجها، وإيقاف المبادرات ضعيفة الجدوى، وتوجيه التمويل إلى الأنشطة الأكثر فاعلية.

خامسًا: البيانات تغير طريقة اتخاذ القرار

التحول التنموي يحتاج كذلك إلى بنية رقمية قادرة على توفير البيانات الصحيحة في الوقت المناسب.

لا يمكن إدارة منظمة تتوسع في برامجها ومشاريعها ومستفيديها ومواردها المالية باستخدام ملفات متفرقة وقرارات تعتمد على الانطباعات الشخصية.

الإدارة الحديثة تحتاج لوحات مؤشرات، وأنظمة مالية، وإدارة للمستفيدين، ومتابعة للمشاريع، وربطًا بين الميزانيات والنتائج ومؤشرات الأثر.

فالبيانات تجعل الإدارة قادرة على معرفة البرامج الأعلى تكلفة، والمشاريع الأكثر أثرًا، ومصادر التمويل الأكثر استدامة، ونسبة تحقيق المستهدفات، والانحرافات التي تحتاج إلى تدخل مبكر.

كيف يتحول القطاع غير الربحي إلى قوة اقتصادية؟

التحول الحقيقي يبدأ عندما تعمل المنظمات باعتبارها مؤسسات تنموية محترفة، دون أن تفقد هويتها ورسالتها الاجتماعية.

ويحتاج ذلك إلى مجموعة مترابطة من الخطوات:

  1. تحديد أثر واضح قابل للقياس بدل الاكتفاء بأهداف عامة.
  2. تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على مصدر تمويل واحد.
  3. بناء نماذج استثمار اجتماعي تتناسب مع رسالة المنظمة.
  4. رفع مستوى الحوكمة والشفافية المالية والإدارية.
  5. استخدام البيانات والتقنيات الرقمية في اتخاذ القرارات.
  6. تطوير الكفاءات البشرية القادرة على إدارة المؤسسات باحترافية.
  7. بناء شراكات استراتيجية مع الحكومة والقطاع الخاص والجامعات والمستثمرين الاجتماعيين.
  8. قياس العائد الاجتماعي والاقتصادي للبرامج بصورة مستمرة.

عندما تتكامل هذه العناصر، تبدأ المنظمة في الانتقال من تنفيذ المبادرات إلى بناء منظومة مستدامة لصناعة الأثر.

القطاع غير الربحي

القطاع غير الربحي ورؤية السعودية 2030

تمنح رؤية السعودية 2030 القطاع غير الربحي مساحة أكبر ليكون شريكًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وليس مجرد جهة مكملة للخدمات.

فالهدف الرسمي برفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي إلى 5% يتزامن مع التوسع في المنظمات غير الربحية، وتطوير البيئة التنظيمية، وتعزيز التطوع، وتحسين الكفاءة والحوكمة.

وهذا يعني أن السنوات القادمة ستشهد على الأرجح منافسة أكبر بين المنظمات على الجودة، والثقة، والشراكات، والكوادر، والتمويل، وقدرتها على إثبات أثرها بالأرقام.

المنظمات التي تستعد لهذا التحول اليوم ستكون في موقع أفضل من المنظمات التي تستمر في العمل بالنماذج نفسها التي كانت مناسبة قبل سنوات.

ماذا تقول د. نوف الغامدي عن مستقبل القطاع؟

في حلقة أثر مستدام، تقدم د. نوف بنت عبدالعزيز الغامدي رؤية حول التحول من النماذج التقليدية إلى نماذج أكثر استدامة وتأثيرًا، في إطار نقاش أوسع حول التنمية الاقتصادية، والاستثمار، والحوكمة، والاستشراف الاستراتيجي، ومستقبل القطاع غير الربحي.

وتفتح الحلقة سؤالًا مهمًا أمام قيادات المنظمات: هل نقيس نجاح المؤسسة بحجم الأموال التي تم جمعها، أم بحجم التغيير الذي استطاعت هذه الأموال أن تصنعه؟

الفرق بين السؤالين قد يكون هو الفرق بين منظمة تنفذ أنشطة ومؤسسة تبني أثرًا مستدامًا.

الخلاصة: الـ5% ليست مجرد رقم

مستقبل القطاع غير الربحي في السعودية لن يُبنى بزيادة عدد المبادرات وحدها، بل ببناء مؤسسات أقوى وأكثر استدامة وشفافية وقدرة على الاستثمار وقياس الأثر.

والوصول إلى مساهمة تبلغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030 ليس مجرد هدف اقتصادي؛ بل تعبير عن رؤية جديدة لمكانة القطاع داخل الاقتصاد والمجتمع السعودي.

المرحلة المقبلة تحتاج منظمات تفكر بمنطق الأثر، وتدير مواردها بمنطق المؤسسات، وتستثمر بمنطق الاستدامة، وتستخدم البيانات والحوكمة لحماية رسالتها وتعظيم نتائجها.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم تبرعنا؟

بل: كم قيمة اقتصادية واجتماعية استطعنا صناعتها؟

🎙️ شاهد الحلقة الكاملة من بودكاست أثر مستدام مع د. نوف بنت عبدالعزيز الغامدي، وتعرّف على الصورة الأكبر لمستقبل القطاع غير الربحي والتحول من الرعاية إلى التنمية والاستدامة.

أسئلة شائعة

ما مستهدف مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي بحلول 2030؟

تستهدف رؤية السعودية 2030 رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5% بحلول عام 2030.

ما المقصود باقتصاد الأثر؟

هو توجه يربط الموارد والتمويل والاستثمار بالنتائج الاجتماعية والاقتصادية القابلة للقياس، بحيث لا يكون النجاح مرتبطًا بحجم الإنفاق فقط، بل بالقيمة والتغيير الناتجين عنه.

كيف تحقق المنظمات غير الربحية الاستدامة المالية؟

من خلال تنويع مصادر الدخل، وتطوير الاستثمارات والأوقاف، وبناء الشراكات، وتقديم منتجات أو خدمات مناسبة، وتحسين الكفاءة التشغيلية، مع المحافظة على رسالتها وأهدافها الاجتماعية.