Skip to main content Scroll Top

اقتصاد الأثر في القطاع غير الربحي 

element (1)
اقتصاد الأثر في القطاع غير الربحي

اقتصاد الأثر في القطاع غير الربحي

هل يمكن للقطاع غير الربحي أن يصنع اقتصادًا حقيقيًا، وليس فقط أن يقدم مساعدات وخدمات اجتماعية؟ هذا السؤال أصبح أكثر أهمية مع التحولات التي يشهدها العمل غير الربحي في المملكة العربية السعودية، حيث لم تعد النظرة إلى المنظمات غير الربحية مقتصرة على كونها جهات تقدم الدعم للفئات المستفيدة، بل أصبحت جزءًا من منظومة التنمية الاقتصادية والاجتماعية

ومن هنا يبرز مفهوم اقتصاد الأثر في القطاع غير الربحي، الذي يعيد تعريف النجاح؛ فبدلًا من قياس أداء المنظمة بعدد المساعدات التي قدمتها أو حجم الأموال التي أنفقتها فقط، يصبح السؤال: ما التغيير الذي أحدثته؟ وهل استمر هذا التغيير؟ وهل يمكن قياس العائد الاجتماعي والاقتصادي الناتج عنه؟

هذا التحول يتقاطع بصورة مباشرة مع توجهات المملكة لتطوير القطاع غير الربحي. فرؤية السعودية 2030 تستهدف رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5% بحلول عام 2030، بما يعكس الانتقال من النظر إليه باعتباره نشاطًا اجتماعيًا مكملًا إلى اعتباره شريكًا في التنمية الوطنية.

وتناقش الدكتورة نوف بنت عبدالعزيز الغامدي في حلقة من بودكاست أثر مستدام هذا التحول من المنظور الرعوي التقليدي إلى المنظور التنموي، وما يرتبط به من استدامة، واستثمار، وشراكات، وقدرة المنظمات على صناعة قيمة حقيقية للمجتمع والاقتصاد.

ما المقصود باقتصاد الأثر؟

اقتصاد الأثر هو نموذج ينظر إلى الأنشطة والمشروعات باعتبارها أدوات لإنتاج قيمة اجتماعية واقتصادية قابلة للقياس، وليس باعتبارها مجرد نفقات أو مبادرات مؤقتة. وفي القطاع غير الربحي يعني ذلك أن المنظمة لا تسأل فقط: كم مستفيدًا خدمنا؟ وإنما تسأل أيضًا: كيف تغيرت حياة هؤلاء المستفيدين نتيجة البرنامج؟

هناك فرق كبير بين تقديم دورة تدريبية لـ500 شخص وبين إثبات أن نسبة من هؤلاء الأشخاص حصلوا بعد التدريب على وظائف أو أسسوا مشروعات أو رفعوا دخولهم. في الحالة الأولى نكون أمام قياس للمخرجات، بينما في الثانية نقترب من قياس الأثر.

وبالتالي، فإن اقتصاد الأثر لا يلغي العمل الإغاثي أو المساعدات المباشرة عندما تكون ضرورية، ولكنه يوسع دور المنظمة بحيث تنتقل تدريجيًا من التعامل مع نتائج المشكلة إلى معالجة أسبابها وبناء حلول تقلل الحاجة إليها مستقبلًا.

مقارنة بين نموذج المساعدات ونموذج اقتصاد الأثر

العنصر نموذج المساعدات التقليدي نموذج اقتصاد الأثر
الهدف تلبية احتياج مباشر صناعة تغيير طويل المدى
المؤشر الأساسي عدد المستفيدين حجم التغيير المحقق
التمويل تبرعات ودعم دوري مصادر تمويل متنوعة ومستدامة
المستفيد متلقٍ للخدمة شريك في التنمية والتمكين
القياس حجم النشاط والإنفاق النتائج والأثر والعائد الاجتماعي
التخطيط برامج قصيرة المدى استراتيجيات تنموية ممتدة
العلاقة مع القطاع الخاص دعم ورعاية شراكات واستثمار اجتماعي

1. الانتقال من الرعاية إلى التمكين الاقتصادي

أولى التحولات التي يحتاج إليها القطاع غير الربحي هي الانتقال من توفير الاحتياجات بصورة متكررة إلى بناء قدرة المستفيد على تحسين وضعه بنفسه عندما تسمح طبيعة الحالة بذلك.

ففي برامج الأسر محدودة الدخل، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يقتصر الدور دائمًا على الدعم المالي، بل يمكن أن يمتد إلى التدريب، والتأهيل المهني، ودعم المشاريع الصغيرة، وربط الباحثين عن العمل بالفرص الوظيفية، وتنمية المهارات المالية.

هنا تتحول المنظمة من جهة تدير الاحتياج إلى جهة تسهم في تقليله، ويتحول المستفيد من متلقٍ دائم للخدمة إلى فرد يمتلك أدوات تمكنه من تحقيق درجة أعلى من الاستقلال الاقتصادي.

2. قياس النتائج بدلًا من الاكتفاء بعدّ الأنشطة

من أكثر الأخطاء شيوعًا في تقييم المبادرات الاجتماعية الخلط بين النشاط والأثر. تنظيم 30 برنامجًا تدريبيًا ليس أثرًا في حد ذاته، وخدمة 10 آلاف مستفيد لا توضح وحدها ما الذي تغير في حياتهم.

اقتصاد الأثر يتطلب بناء مؤشرات تبدأ منذ تصميم المشروع. فإذا كان البرنامج يهدف إلى توظيف الشباب، يمكن أن تشمل المؤشرات نسبة الذين حصلوا على وظائف، ومتوسط الفترة اللازمة للتوظيف، واستمرارهم في الوظائف بعد ستة أو اثني عشر شهرًا، والتغير في مستوى دخلهم.

وهذا التفكير يجعل البيانات جزءًا من اتخاذ القرار، ويمنح مجالس الإدارات والجهات المانحة صورة أكثر دقة عن كفاءة البرامج.

اقتصاد الأثر في القطاع غير الربحي

3. بناء الاستدامة المالية للمنظمات غير الربحية

لا يمكن صناعة أثر طويل المدى من خلال منظمة تعيش باستمرار تحت ضغط البحث عن تمويل قصير الأجل. ولهذا ترتبط الاستدامة المالية للقطاع غير الربحي ارتباطًا وثيقًا باقتصاد الأثر.

ولا تعني الاستدامة أن تتحول المنظمة إلى شركة تجارية، وإنما أن تبني نموذجًا ماليًا يقلل اعتمادها على مصدر واحد للدخل. ويمكن أن يشمل ذلك الأوقاف، والاستثمارات، والمنح، والشراكات طويلة الأجل، والمنتجات والخدمات ذات العائد المسموح بها وفق طبيعة المنظمة وأنظمتها.

كلما تنوعت مصادر التمويل، أصبحت المنظمة أكثر قدرة على التخطيط لسنوات بدلًا من التخطيط من حملة تبرعات إلى أخرى.

4. تحويل المستفيد من رقم إلى رحلة تنموية

من المبادئ المهمة في اقتصاد الأثر أن المستفيد ليس رقمًا في تقرير سنوي. بل يمتلك رحلة تبدأ بتحديد حالته واحتياجاته، ثم وضع تدخل مناسب، ومتابعة النتائج، وقياس التحسن.

على سبيل المثال، إذا كانت المنظمة تعمل في مجال الإسكان، فقد يكون توفير المسكن مخرجًا مهمًا، لكن الأثر الأوسع يمكن أن يشمل تحسن الاستقرار الأسري، أو تخفيف الأعباء المالية، أو تحسن قدرة الأسرة على التعليم والعمل.

هذا المنظور يغير تصميم البرامج؛ لأن المنظمة تبدأ من السؤال عن النتيجة النهائية التي تريد تحقيقها، ثم تصمم الخدمات التي تقود إليها.

5. تطوير الشراكات مع القطاع الحكومي والخاص

الانتقال إلى اقتصاد الأثر لا يمكن أن يحدث داخل المنظمة وحدها. فالقضايا الاجتماعية والاقتصادية المعقدة تحتاج إلى شراكات تجمع القطاع الحكومي والقطاع الخاص والمنظمات غير الربحية والجامعات والمستثمرين الاجتماعيين.

ويمكن للقطاع الخاص أن يقدم أكثر من التبرعات، عبر نقل الخبرات، وبناء القدرات، والتقنيات، والمشاركة في الاستثمار الاجتماعي، ودعم المبادرات ذات النتائج القابلة للقياس.

وفي المقابل، تمتلك المنظمات غير الربحية معرفة عميقة بالمجتمعات والفئات التي تعمل معها، ما يجعلها شريكًا قادرًا على المساهمة في تصميم حلول أكثر قربًا من الاحتياجات الواقعية.

اقتصاد الأثر في القطاع غير الربحي

6. الاستثمار في البيانات والحوكمة

لا يوجد اقتصاد أثر حقيقي دون بيانات موثوقة. فالمنظمة التي لا تستطيع تحديد تكلفة البرنامج، ونتائجه، ونسبة تحقيق أهدافه، وخصائص المستفيدين، والتغير الذي حدث بمرور الوقت، ستواجه صعوبة في إثبات أثرها.

ولهذا أصبحت الأنظمة الرقمية ولوحات مؤشرات الأداء وإدارة المستفيدين والمشروعات والميزانيات عناصر أساسية في البنية المؤسسية للمنظمات الحديثة.

وبالتوازي مع ذلك تأتي الحوكمة في القطاع غير الربحي لضمان وضوح الصلاحيات، والشفافية المالية، وإدارة المخاطر، ووجود آليات للرقابة والمساءلة. ويؤكد التوجه المؤسسي في المملكة أهمية الحوكمة والتمكين والاستدامة في تطوير القطاع ورفع كفاءته.

 الانتقال من تمويل الأنشطة إلى تمويل النتائج

أحد أهم التحولات المستقبلية يتمثل في توجيه جزء أكبر من التمويل إلى النتائج بدلًا من ربطه بعدد الأنشطة فقط.

فبدلًا من تمويل برنامج لأنه سيعقد 20 ورشة عمل، يصبح السؤال: ما النتائج التي ستتحقق بسبب هذه الورش؟

هذا النموذج يشجع المنظمات على الابتكار؛ لأن الجهة الممولة تصبح مهتمة بتحقيق النتيجة النهائية أكثر من فرض طريقة تنفيذ واحدة.

كما يفتح المجال أمام أدوات مثل الاستثمار الاجتماعي وقياس العائد الاجتماعي على الاستثمار SROI وغيرها من الأساليب التي تربط الموارد المستخدمة بالقيمة التي تم إنتاجها للمجتمع.

لماذا يعد اقتصاد الأثر مهمًا لمستقبل القطاع غير الربحي السعودي؟

السياق السعودي يجعل هذا التحول مهمًا بصورة خاصة، لأن القطاع يشهد توسعًا مؤسسيًا وتنظيميًا، بينما تمنحه رؤية السعودية 2030 دورًا متقدمًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتؤكد الاستراتيجية الرسمية للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي أهمية تمكين المنظمات للعمل بكفاءة واستدامة، ضمن قطاع أكثر قدرة على دعم التنمية.

وهذا يعني أن السؤال في السنوات المقبلة لن يكون فقط: كم عدد المنظمات غير الربحية؟ بل: كم منظمة منها تستطيع الاستمرار؟ وما الوظائف التي صنعتها؟ وما المشكلات التي ساعدت على معالجتها؟ وما القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتها؟

فالنجاح الحقيقي لا يتحقق بتوسيع النشاط وحده، وإنما بتحويل الموارد المحدودة إلى نتائج أكبر وأكثر استدامة.

بودكاست أثر مستدام: مساحة لفهم مستقبل القطاع غير الربحي

يأتي بودكاست أثر مستدام ليفتح مساحة للحوار حول مستقبل القطاع غير الربحي، والتنمية الاقتصادية، والاستدامة، والحوكمة، والاستثمار الاجتماعي، ودور القيادات والخبرات الوطنية في بناء قطاع أكثر قدرة على صناعة التغيير.

وفي الحلقة مع د. نوف بنت عبدالعزيز الغامدي، ينتقل النقاش من مفهوم الرعاية التقليدية إلى رؤية تنموية أوسع تطرح سؤالًا محوريًا: كيف تصبح المنظمة غير الربحية جهة تصنع أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا مستدامًا، وليس فقط جهة تقدم خدمة تنتهي بانتهاء التمويل؟ ويأتي عنوان الحلقة نفسه معبرًا عن هذا الاتجاه: «من الرعوية إلى التنموية.. كيف يصنع القطاع غير الربحي أثرًا اقتصاديًا مستدامًا؟»

▶️ شاهد الحلقة الكاملة مع د. نوف بنت عبدالعزيز الغامدي على يوتيوب

الخلاصة: القطاع غير الربحي يستطيع صناعة اقتصاد للأثر

نعم، يستطيع القطاع غير الربحي أن يصنع اقتصادًا، ولكن ليس بالمعنى التقليدي الذي يجعل الربح المالي غايته الأساسية. إنه يستطيع صناعة اقتصاد للأثر؛ اقتصاد تتحول فيه الموارد إلى تمكين، والبرامج إلى نتائج، والمستفيدون إلى أفراد أكثر قدرة على الاعتماد على أنفسهم، والشراكات إلى حلول تنموية مستدامة.

ويبدأ هذا التحول عندما تنتقل المنظمة من سؤال «كم أنفقنا؟» إلى سؤال «ماذا تغير بسبب ما أنفقناه؟»، ومن الاحتفاء بعدد المستفيدين إلى تحليل النتائج التي تحققت لهم، ومن الاعتماد الكامل على التبرعات قصيرة الأجل إلى بناء الاستدامة المالية والشراكات والاستثمار الاجتماعي.

ومع الأهداف الوطنية التي تمنح القطاع غير الربحي مساحة متزايدة للمشاركة في التنمية، فإن المرحلة المقبلة تتطلب من المنظمات السعودية الاستثمار بصورة أكبر في الحوكمة، والبيانات، والكفاءات، والابتكار، وقياس الأثر.

لأن مستقبل القطاع غير الربحي لا يُبنى فقط بزيادة حجم العطاء، بل بزيادة القيمة التي يصنعها هذا العطاء واستمرار أثرها في المجتمع والاقتصاد.